يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

342

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

المصائب والأوجاع والصدقة وقال : من بث لم يصبر . واللّه تعالى يقول : وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ( 155 ) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 156 ) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [ البقرة : 155 - 157 ] وفي هذا قال عمر رضي اللّه عنه : نعم العدلان ونعمت العلاوة . وقد تقدم تفسير ذلك . وليت شعري ، هذا الذي يشكو مصيبته ماذا يريد وما عسى أن يستفيد ، وهل يشكوها إلا لضعيف مثله فيزيد في حمله ، يزيده الشكوى في البلوى ، لأنه لا بد من تزيد وتكذب في غالب الأمور ، وربنا يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ثم الصبر يرجع أجرا ، وربما قد أحبط أجر المصيبة بشكيته ، فتصير المصيبة اثنتين . ولذلك قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : إنما الصبر عند الصدمة الأولى . رأيت في بعض الكتب أن مجوسيا قال بحضرة أحد العلماء : ينبغي للعاقل أن يعمل في أول المصيبة ما يعمله الجاهل بعد ثلاث . فاستحسن العالم ذلك وأمره بكتبه عنه . هذا معنى كلامه . ولما مات أخي عبد اللّه ؛ رحمه اللّه ؛ بمراكش كتب الفقيه الخطيب أبو محمد ؛ رحمه اللّه ؛ إلى أبي ؛ رحمه اللّه ؛ يعزيه ، فيه بعد البسملة : في علم الفقيه الحاج أبي عبد اللّه ؛ أكرمه اللّه ؛ إن الصبر عند أول صدمة ، وبه يأخذ كل ذي أدب وهمة ، وما أجمله وأحسنه ، وقد أمرنا أن نسلك سننه ، والجزع قبيح ، ولو أباحه مبيح ، فكيف وقد ورد فيه ما ينفيه . وقد وقفت على ما وصّى به عليّ عليه السلام الأشعث بن قيس . وقال في ذلك المعنى حبيب بن أوس : وقال عليّ في التعازي لأشعث * وخاف عليه بعض تلك الملائم أتصبر للبلوى عزاء وحسبة * فتؤجر أم تسلو سلو البهائم إلى آخر الكتاب . وقد خرجت عن الغرض ، لكن في هذا شفاء من المرض ، وفقنا اللّه للعمل بما نعلم ، وصلى اللّه على النبي محمد وآله وسلم . وإذا وقعنا في ذكر الأشعث قريبا فلنذكر له خبرا غريبا ، هو الأشعث بن قيس بن معدى كرب الكندي ، وكان شريفا في قومه مطاعا ، وكان قد ارتدّ في جملة أهل الردّة ، فأتي به أبو بكر رضي اللّه عنه أسيرا ، فأطلقه وزوجه أخته أم فروة بنت أبي قحافة استئلافا له ، وليثبت في الإسلام . فكان ذلك كذلك والحمد للّه . ولما زوّجه خرج من عنده فدخل السوق قد اخترط سيفه ، ثم لم تلقه ذات أربع إلا عرقبها من بعير وفرس وثور ، ومضى فدخل دارا من دور الأنصار . فسار الناس حشدا إلى أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه فقالوا : هذا الأشعث قد ارتدّ ثانية ، فبعث إليه أبو بكر فأشرف من السطح وقال : يا معشر أهل المدينة إني غريب ببلدكم ، وقد أولمت بما عقرت فليأكل كل